‏إظهار الرسائل ذات التسميات فكر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات فكر. إظهار كافة الرسائل

بين عالمين…


بين عالمين… فكرة دائمًا ما تراودني، ويزداد تعلُّقي بها كلَّ يومٍ وبعد كلِّ تجربة، فكرة أن الإنسان يعيش في عالمين اثنين، أمَّا الأول فهو في دائرته الخاصة القريبة منه، أما الثانية فعالم حدوده تتسع وتبتعد كلما حاولنا الوصول إليها.

في الدائرة الخاصة نجد ما هو متعلق بالشخص ذاته، محيطه الأسري والمهني والاجتماعي… أهدافه أحلامه وآماله الشخصية… الأشياء المحيطة به، المعلومات التي اكتسبها والمهارات التي أتقنها… ببساطة كل ما يتعامله معه أو به أو من خلاله في حياته اليومية.

خارج حدود هذه الدائرة الخاصة نجد الكثير الكثير مما يستحيل ذكره كلَّه، لكن أكتفي بالإشارة إلى بعض الأمور التي قد تساعد في إيضاح الفكرة، فخارج هذه الحدود نجد الأمة والإنسانية جمعاء، لا، بل نجد كل العالم بما يحويه من نبات حيوان أو جماد، ولكل هؤلاء نجد أحلامًا وآمالاً، نجد آلامًا وأحزانًا… نجد من العلم ما لم نستطع التعرف عليه حتى، نجد من المهارات ما لا يمكننا تجبرتها ناهيك عن التمكن منها جميعًا… نجد من العادات والثقافات ما لم يتمكن خيالنا يوما رسمه لنا… والكثير الكثير…

كلّما حاول الواحد منّا الخروج من تلك الدائرة، اكتشف ضيقها وصغر حجمها ومحدوديتها، اكتشف أنّ جميع مشاكله لا تساوي شيئا أمام المشاكل التي تواجه الجميع خارجها، اكتشف أنّ أحزانه وآلامه ما هي إلا قطرة من محيط لا قعر ولا ساحل له مقارنة بما هو خارج تلك الدائرة…

كلّما حاول الإنسان الخروج من دائرة معارفه، اكتشف مدى جهله وأيقن أنّ لحظات الغرور التي تأخذه أحيانًا بسبب جدال فاز فيه، أو سؤال أجاب عليه، أكبر خطيءة قد يرتكبها، كلما خرج من تلك الدائرة ازداد إيمانه أن تلك الدائرة التي كان يغرق فيها أحيانًا ما هي إلا نقطة متناهية الصغر في فضاء متناهي الكبر، تماما مثلما نرى حجم الكرة الأرضية من الداخل أو من الخارج، فرق كبير يا عم.

إذا تزاوجت اللا نهايتان (لا نهاية صغر حجم الدائرة التي يعيش فيها الإنسان، ولا نهاية كبر ما خارجها) داخل عقل أي شخص، ولدت حكمة لا متناهية مضاعفة…

لكن متى يمكن لـ "اللا نهايتين" أن تتزاوجا؟ بل هل هذا ممكن؟
نورالدين الواهج

ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم ...

"اﻹبتهال إلى الله"
للفنان محمود فرشجيان
دعوة وأمر صريحين من الله تعالى بالتوجه إليه بالدعاء، بل ووعد بالاستجابة في قوله "اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم" فنحن الفقراء في كل شيء، نحن المحتاجون إلى قوة تعيننا على خوض هذه الحياة، لكن هل نتوجه إلى الله بالدعاء؟ هل نطلب حاجاتنا من القوي الذي لا تزيده كثرة العطاء إلا جودًا وكرمًا؟إن الله هو الغني الملطلق الذي له ملك السماوات والأرض، الذي بيده ملكوت كل شيء، "أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ الله لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَاﻻَرْضِ"(البقرة 107)، الذي أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، إنّه مَن لا ينفَدُ ما عنده بالبذل والعطاء، "إِنَّ هَذَا رِزْقُنَا مَالَهُ مِنْ نَفَاد"(ص53)، إنّه الذي لا يَعرف البخلُ والشحُ مكانًا في ساحته وحضرته سبحانه، فلا يضيق ملكه بعطاء، ولا ينقص شيء منه إذا جاد به على مَن يُحب، فليس من سبب إذن أن يرد سائلا من عباده إذا التجأ إليه في أمر يهمُّه صغيرًا كان أم كبيرًا وهو تعالى الذي يقول: "اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم"، إلاّ إن كانت اﻹجابة في غير صالح أو صلاح السَّائل، وهو العالم بكل شيء، فيعلم ما يَصلُح لعبده وما يضره، وما يُصلِحه وما يُفسِده، أمّا السائل فإنه جاهل لا علم له أمام علمه اللا متناهي جلَّ وعلا.
"وَالله غَنِيٌّ وَأَنْتُمُ الفُقَرَاء"(محمد 38) نحن الفقراء إلى الله نحتاجه في جميع حركة نقوم بها وجميع حالة سكون نكون فيها، نحن الضعفاء لا نملك من أمرنا شيئًا، وكلّما زاد وعينا بهذا الفقر والضعف كلما كنّا إلى الله أقرب بالدعاء والالتجاء إليه، وكلّما كنّا أقرب إلى رحمة الله تعالى، أمّا إن غفلنا عن هذا أو استكبرنا ولم نستشعره ابتعدنا عن رحمة الله… 
من الجميل أن يلتجئ الإنسان إلى ربه في كل حاجاته صغيرها وكبيرها، إنِّه يعلن بذلك عبوديته الكاملة لله، قوةَ الله اللامتناهية، ملكَ الله غير المحدود، عطاءَه غير المحظور... وليس في أي طلب يتوجه به العبد إلى ربه ما يعجزه أو ينقص من ملكه شيئا، بل إنه تعالى يحب أن يكون عبده على صلة دائمة به يعود إليه في كل حاجاته، يستخيره في كل خياراته، يطلب عونه وتوفيقه في كل أعماله، فتكون يده ممدودة إلى بارئها، ويكون على صلة بالله في السرَّاء والضرَّاء. أمّا أقصى درجات الطلب فهي تلك التي تكون عند الاضطرار، "أَمَّنْ يُجِيبُ المُضْطَرَّ إذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ" (النمل 61) والاضطرار هنا يعني بأن لا يجد الإنسان أي حل سوى الالتجاء إلى الله تعالى فيفقد كل خياراته ويستنفدها، لا مخلوق على وجه اﻷرض يستطيع أن يعينه، يجد نفسه وقد أُغلقتْ أمامه كل اﻷبواب ما عدا بابه عز وجل فإنه مفتوح دائما وأبدا، حينها يكون الأمر بيده وحده سبحانه، يعطيه أو يمنعه، يدفعه أو يرده، يعينه أو يدعه… لكن الدعاء لا يغني عن السعي والعمل واتخاذ الأسباب.
كما نعلم جميعًا أن الغاية من الخلق هي العبادة، و"الدعاء مخ العباة" كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم، ونرى أنّ في اﻵية الكريمة " اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُم إِنَّ الذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين" (المومنون 60) بعد الدعوة صريحة إلى الدعاء والعهد بالإجابة -سواء عاجلة أم آجلة-، أتى ذكر المستكبرين عن عبادته أي دعائه -كما فسر ابن كثير هذه اﻵية الكريمة- سوف ينالهم غضب من الله وعذاب شديد، وسيدخلون جهنم صاغرين أذِلّاء، وهذا موافق لقوله صلى الله عليه وسلم "من لم يدع الله ، عز وجل ، غضب عليه" ففي الدعاء إقبال العبد على الله، واﻹقبال على الله هو روح العبادة ولبُّها، وقيمة العبادة تتجلّى في أنها تشد العابد إلى المعبود وتربطه به، ومن دون هذا ما صارت العبادة عبادةً، لأن فيها  إقبال وحركة إلى الله، قصد لوجهه وابتغاء لمرضاته، واﻷهم من ذلك إعلان للعبودية والحاجة، وكل هذا يحققه الدعاء.
إنَّ الدعاء من أسباب اهتمام الله بعبده فقد قال تعالى "قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُم" (الفرقان 77)  -كما جاء في تفسير ابن كثير- أي لولا اِلتجاؤنا إليه تعالى بالدعاء ما كان ليَعْبَأَ أو ليهتمَّ بأمورنا، وإذا اهتم إنسانٌ بأخيه اﻹنسان أحاطه بالرعاية، والجود والعطاء، أجاب كل حاجاته وطلباته… كما نلاحظ هذا أيضا في اهتمام الوالدين بأبنائهما ومعاملتهما لهم. ما هذا إلّا اهتمام العبد بأخيه، فكيف باهتمام الله تعالى وهو الكامل، الذي بيده الخير كله، والخلق واﻷمر جميعا، هذا وقد أحاطنا بنعم لا حصر لها دون أن نسألها، وهو من أسمائه الوهَّاب، الرزَّاق، المُجيب، الواسع، الوَدود، الغني، المُغني، الكريم… 
لو نعي هذا جيدًا لكان ذِكرنا كله دعاءً وعودةً إلى الله تعالى، لسألناه حتى في فتح الباب وملح الطعام، بل وإن وعينا ما في ترك الدعام من سخط الله تعالى لما توقفنا عنه فقد قال علي كرّم الله وجهه "الحمد لله الذي مرضاته في الطلب إليه، واِلتماس ما لديه، وسخطه في ترك الإلحاح في المسألة عليه". هل نستشعر ونستحضر كل هذا الفضل والخير ونستغله؟ أم نحن نحرم أنفسنا من هذا السلاح المعين؟ فقد قال خير الخلق عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم "الدعاء سلاح المؤمن وعماد الدين".
نورالدين الواهج

إنّ مع العسر يسرًا

لا شيء يمنعنا من تحقيق أحلامنا وآمالنا، لا شيء يوقفنا عن تحقيق ما نريد ونصبو إليه، فإرادتنا وحدها تحدد ما إن كنا سنصل إلى تحقيق أهدافنا أو لا، قوة إيماننا بأفكارنا تجعلها تنزل لتكون حقيقة على أرض الواقع.
فمهما اشتدت بنا المواقف ومهما صعبت أمامنا دروب الحياة لابد من مخرج، فـ إن مع العسر يسرا، وإن السماء لتراها تارة صافية وتارة يعكرها الغيوم لتتساقط اﻷمطار، فإن تعكّر يومك فاعلم أن المطر آت لا محالة. كما أنّ الدنيا ليست لنا، ترمينا بالأوجاع والهموم واﻷسقام، تُثقلنا بفقدان الأهل والأحبة، قد يكون فراقا فيزيائيا بمفارقتهم الحياة -رحم الله جميع موتى المسلمين-، أو فقدانا معنويا بابتعادهم عنا، أو عدم موافقتهم لنا، فسيدنا نوح عليه السلام رفض ابنه الركوب معه، ولوط عليه السلام رفضت زوجته دعوته، فربما يعاديك أقرب الناس إليك ربما يتخلى عنك في أشد اللحظات صعوبة من كنت تؤمن أنه لن يتركك، لكن يقول الله تبارك وتعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24)إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ (25)فَرَاغَ إِلَىٰ أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26)فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27)فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (28)فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (29)قَالُوا كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (30)﴾ صدق الله العظيم
عندما أتى الملائكة ليبشروا سيدنا إبراهيم عليه السلام بغلام حين كانت زوجته في عمر اليأس والعجز عن الحمل والولادة إلا إن الله تعالى قال لها ولنا إنه هو الحكيم العليم ... فقد جاءت البشارة في الغلام الذي يمثل الجيل الجديد بعد سيدنا إبراهيم عليه السلام، الأمل الجديد لهذا العالم. ومع هذا الحدث العظيم أرسلوا إلى مهمة أخرى عظيمة وهي في قول الله تعالى: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (31)قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَىٰ قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ (32)لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن طِينٍ (33)مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (34)﴾ وهم قوم لوط عليه السلام أرسلهم لتطبيق وعيد الله على الظالمين، فلو ربطنا الآية الأولى مع الثانية لوجدنا علاقة عجيبة ففي الأولى بعد اليأس وطول انتظار جاء فرج من الله على سيدنا إبراهيم وزوجه بولد صالح يعوض حرمانهما من الذرية طوال تلك السنين، يعوض صبرهما. أمّا في الثانية فبعد صبر سيدنا لوط عليه السلام مع قومه في دعوتهم، وغلوّهم عليه، وبعد أن هدد بالطرد من مدينته عليه السلام إلا أن الله فرج عليه هو وقومه الذين آمنوا معه، وهذا أيضا يعتبر ميلاد جيل جديد متق مؤمن. هكذا يؤكد الله سبحانه أنه لا يدوم الظلم واليأس والقهر والمعاناة أبدا، لكن مع اتخاذ الأسباب المؤدية إلى زوالهم، لذا لنتفائل خيرا للمستقبل القريب ولنبقى قريبين من الله سبحانه، فالله تعالى قال في آية واضحة﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (5)إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْر صدق الله العظيم.
فمع اﻹيمان، واﻹرادة لتحقيق التمكين والخلافة، يأتي دافع قوي للعمل والنظر للأمام، يمنعك من الالتفات إلى جانبي الطريق، ويركز جهدك على المضي قدما مهما وجدت نفسك وحيدا.
أما إبمانك بالله عز وجل وثقتك به سيدفعانك إلى اﻷمام أكثر، فإن الله عز وجل هو الوحيد الذي لن يتخلى عنك، لن يتركك وحيدا ما دمت لم تترك ذكره والتعلق به، سيكون دائما إلى جانبك في كل وقت وحين ما دمت مؤمنا به، متوكلا عليه، ما دمت تستشيره أولا، تستعين به قبل أي شيء.
نورالدين الواهج

الطائر الحضون


أحيانا نجد أنفسنا في مواقف تحتاج منّا إلى ردة فعل سريعة وآنية، لكن في أوقات أخرى يكون الصبر والأناة أفضل خيار، فليست كل حركة بركة، وخطوة نخطوها في غير محلها أو وقتها المناسبين قد تكون لنا مهلكة، فالتعقل من صفات الحكيم العالم بموضع رجله ومنتهى مساره.
وفي اللحظات التي يكون فيها الإنسان مظلوما تظهر مدى حكمته في اجتياز موقفه الصعب هذا، واستغلاله لصالحه، فعادة لحظات كهذه تولد لدى الإنسان طاقة اندفاعية عظيمة، ورغبة في الانتقام لا يوقفها سوى إيمان المرء بمبادئه وأهدافه العليا، فحتى لو أهينت كرامته وحط من قيمته، فإنه سيكبح جماح عواطفه إكراما لغاياته السامية وآماله المنشودة، يكظم غيضه، يحبس براكين مشاعره، ليحول بذلك لحظة الضعف والانكسار، إلى لحظة قوة وانتصار، فلحظة العفو والحلم، هي لحظة ميلاد جديد في التاريخ.
وصبر المرء عن القيام بردة فعل، من أجل أهداف أرقى، يصوره لنا الأستاذ فتح الله كولن في صورة "الدجاج الحضون" أو "الطائر الحضون"؛ ذلك الطائر الذي يبقى جالسا حاضنا لبيوضه، رغم قدرته على الطيران بعيدا، على التحليق في السماء والاستمتاع بالطبيعة آكلا شاربا لاعبا مغردا ينتقل بين الأغصان راقصا… إنه يصبر على كل هذا من أجل أن تمنح تلك البيوض حياة لتعيشها، إنها الغاية التي من أجلها يضحي هذا الطائر ويصبر، فعلينا أن نعلم أنفسنا أن نكون مثل هذا الطائر الحضون؛ "فلو هشم أخوك فاك، وسالت الدماء، ثم لقيت عدوك فقل : إنها طماطم" يقول الأستاذ فتح الله، بهذا تحافظ على وحدة صفك أمام العدو، ولا تظهر الخلافات الداخلية أمامه حتى لا يستغلها ضدك، فإن وحدة الصف أهم أمر نصبر من أجله، ووحدة الجماعة أهم وسيلة من أجل تحقيق غاياتنا والوصول إلى أهدافنا السامية، وعلى الجماعة أن تكون على وعي تام بواقعها آمالها ومسارها حتى تقدر على الوصول ونيل مبتغاها، كما عليها أن تصبر وتتماسك أمام التحديات والأزمات مثل تماسك مجتمع البطاريق حين … 
نورالدين الواهج

أعظم كلمة عرفتها البشرية...

الكلمة التي غيرت مجرى التاريخ


عند بداية مطالعتي لكتاب "البوصة القرآنية" للدكتور أحمد خيري العمري، استوقفتني المقدمة الثاني في كثير من الأقوال التي وردت فيها أردت أن ألخصها في الفقرات القليلة التالية:

خلق الله الإنسان وأرسل إليه الأنبياء، فكان خاتمهم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، هذا النبي العظيم الذي - من الواجب أن – نسير على نهجه إلى يومنا هذا.

كان الخطاب الإلهي في السابق يعتمد على الإعجاز الحسي، حيث كان تعالى يخاطب في الإنسان حواسه، لكن مع المصطفى عليه الصلاة والسلام كان مختلفا، حين استعمل الخطاب الروحي الوجداني، حيث خاطب في الإنسان عقله لا حواسه لما قال كلمته الأولى "اقرأ" حجر الأساس الذي وضعه عز وجل لتأسيس علاقة إلهية جديدة؛ بطاقة تعريف للوحي الروحي الجديد.

ولكن كان لأي شخص أن يطرح سؤالا عن التناقض: (كيف ينزل أول أمر "اقرأ" على أمي) هنا يكون جوابي: هنا يكمن السر، فهذا الذي تسميه تناقضا هو الذي حرر "اقرأ" من مفهومها الضيق؛ قراءة الكتابة والمكتوب، إلى المفهوم الأوسع؛ قراءة تأملية في الكون الواسع وتصفح في أسراره وخباياه، قراءة تعبدية في النفس البشرية والغوص في أعماقها بحثا عن الكنوز الدفينة، ذلك هو العلم الذي فرضه وجوده في كل حبة خرذل، في كل نسمة هواء، عاطفة حب، نزعة خير أو شر، وكل الأمور التي تدفع النفس إلى السمو نحو قمة الجمال والشموخ، أو تهوي بها في قعر الرذيلة والانحطاط. ذلك هو العلم الإلهي علم التأمل التعبدي.
قال النبي صلى الله عليه وسلم: 'أطلبوا العلم من المهد إلى اللحد' لكن الله تعالى كان أبلغ حين قال في أول ثلاث آيات أنزلها: "اِقْرَأْبِاسْمِ رَبِّكَ الذِّي خَلَقَ، خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اِقْرَأْ ..." حيث أنه سبحانه وتعالى ذكر الحياة (حين ذكر مرحلة من مراحل تكون الجنين) بعد اقرأ مباشرة وقب اقرأ مباشرة، فهذا الأمر يدعو إلى التوقف والتأمل ولو للحظة.
كان حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن العلم بين الحياة والموت، لكن حديث الله تعالى كان عن الحياة بين العلم أو في وسطه، وفي ذكر ذلك إشارة إلى:
- على الإنسان أن يجع من العلم أول هدف له (بعد رضوان الله تعالى) وأول وسيلة ينبغي أن نتبعها للنجاح في الدنيا والآخرة، فهي العبادة التي على أساسها فرضت كل العبادات.
- ذكر الله مرحلة واحدة من مراحل تشكل الإنسان اللاإرادية وجوبا، فهذا من باب تسمية الكل بالجزء. فهنا إذا كان الإنسان قد استكمل كل المراحل التطورية اللاإرادية مثله مثل أي مخلوق آخر فلا أرى أي تكريم عن المخلوقات، ولكن هنا يكمن التكريم وهي المرحل الاختيارية، مرحلة "اقرأ" فهنا الإنسان مخير له أن يكون كأي مخلوق أو أن يكون شيئا مميزا حتى عن أبناء آدم –إخوته-
- وهنا أضيف أنه إذا كان الإنسان قد قصر في أداء أول فرض "اقرأ" فأنى له أن يلتزم بالفروض الأخرى.
نورالدين الواهج